الشيخ محمد النهاوندي
441
نفحات الرحمن في تفسير القرآن
والحسد وحبّ الجاه يكون من أهل الكفر والعناد على اختلاف مراتبهما . ويمكن أن يقال كما قيل : إنّ الخلق قبل بعث الرّسل - حتّى آدم عليه السّلام - كانوا على العقائد العقليّة ، كوحدة الصّانع ، والأحكام العقليّة كوجوب شكره وقبح الظّلم والكذب ، وحسن العدل والاحسان وغير ذلك ، فلمّا نزلت الأحكام الشرعية من العبادات والسياسات على آدم عليه السّلام وبعث على أولاده انقادوا له ، ثمّ حصل الاختلاف بين قابيل وهابيل ، وابدع الكفر . ثمّ بعد وفاة آدم عليه السّلام وبعد برهة من الزّمان نسوا الشّرائع الالهيّة ورجعوا إلى الشرائع العقليّة ، ثمّ بعث اللّه النبيّين ، ثمّ اختلفوا لأسباب مفصّلة ، وللأخلاق الرّذيلة . وأشير إلى هذا المعنى فيما روي عن الصادق عليه السّلام قال : « [ كان ] هذا قبل بعث نوح ، كانوا امّة واحدة فبدا للّه فأرسل الرّسل قبل نوح » . قيل : أعلى هدى كانوا أم على ضلال ؟ قال : « بل كانوا ضلّالا ، لا مؤمنين ولا كافرين ولا مشركين » « 1 » . وفي رواية عنه عليه السّلام قال : « ذلك أنّه لمّا انقرض آدم وصالح ذرّيّته ، بقي شيث وصيّه لا يقدر على إظهار دين اللّه الذي كان عليه آدم وصالح ذرّيّته ، وذلك أنّ قابيل توعّده بالقتل كما قتل أخاه هابيل ، فسار فيهم بالتقيّة والكتمان فازدادوا كلّ يوم ضلالا حتّى لحق الوصيّ بجزيرة في البحر يعبد اللّه ، فبدا للّه تبارك وتعالى أن يبعث الرّسل . ولو سئل هؤلاء الجهّال لقالوا : قد فرغ من الأمر ، وكذبوا ، إنّما شيء يحكم به اللّه في كلّ عام [ ثمّ قرأ ] : فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ « 2 » فيحكم اللّه تعالى ما يكون في تلك السنة من شدّة أو رخاء ، أو مطر أو غير ذلك » . قيل : أفي ضلالة كانوا قبل النبيّين أم على هدى ؟ قال : « لم يكونوا على هدى ، كانوا على فطرة اللّه التي فطرهم عليها لا تبديل لخلق اللّه ، ولم يكونوا ليهتدوا حتّى يهديهم اللّه ، أما تسمع قول إبراهيم عليه السّلام : لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ « 3 » ؟ أي ناسيا للميثاق » « 4 » الخبر . في ذكر غيبة القائم عليه السّلام وعدم استلزامها منع اللطف وليعلم أنّ غيبة شيث كغيبة القائم المنتظر عليه السّلام في آخر الزّمان ، ولا يلزم منها منع لطف على اللّه ، فإنّ تأسيس الدّين وإتمام الحجّة على الخلق كان سببة النبيّ الشارع والأوصياء بعد الأنبياء ، الذين هم ذوو الشرائع كوصيّ خاتم النّبيّين صلّى اللّه عليه وآله حفّاظ
--> ( 1 ) . تفسير العياشي 1 : 215 / 410 ، تفسير الصافي 1 : 224 . ( 2 ) . الدخان : 44 / 4 . ( 3 ) . الأنعام : 6 / 77 . ( 4 ) . تفسير العياشي 1 : 216 / 413 ، تفسير الصافي 1 : 224 .